الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
191
مناهل العرفان في علوم القرآن
له جهة فوق ولا يقال له جهة تحت ؟ ولما ذا يشار إليه فوق ولا يشار إليه تحت ؟ ثم ألا يعلمون أن الجهات أمور نسبية ، فما هو فوق بالنسبة إلينا ، يكون تحتا بالنسبة إلى غيرنا ؟ فأين يذهبون ! ( رابعا ) نقول لهؤلاء : ما ذا تقولون في قوله تعالى يد اللّه فوق يديهم بإفراد اليد ، مع قوله : لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ بتثنيتها ، ومع قوله : وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ بجمعها . فإذا كنتم تعملون النصوص على ظواهرها حقيقة ، فأخبرونا : أله يد واحدة بناء على الآية الأولى ؟ أم له يدان اثنتان بناء على الآية الثانية ؛ أم له أيدا أكثر من اثنتين بناء على الآية الثالثة ؟ ! ( خامسا ) نقول لهؤلاء : قد ورد في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ، فيقول : من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ » رواه البخاري ومسلم وغيرهما . فكيف تأخذون بظاهر هذا الخبر ، مع أن الليل مختلف في البلاد باختلاف المشارق والمغارب ؟ وإذا كان ينزل لأهل كل أفق نزولا حقيقيا في ثلث ليلهم الأخير ، فمتى يستوى على عرشه حقيقة كما تقولون ؟ ومتى يكون في السماء حقيقة كما تقولون ؟ مع أن الأرض لا تخلو من الليل في وقت من الأوقات ، ولا في ساعة من الساعات كما هو ثابت مسطور ، لا يمارى فيه إلا جهول مأفون ! ( سادسا ) نقول لهؤلاء ما قاله حجة الإسلام الغزالي ، ونصه : « نقول للمتشبث بظواهر الألفاظ : إن كان نزوله من السماء الدنيا ليسمعنا نداءه فما أسمعنا نداءه فأي فائدة في نزوله ؟ ولقد كان يمكنه أن ينادينا كذلك وهو على العرش أو على السماء العليا . فلا بد أن يكون ظاهر النزول غير مراد ، وأن المراد به شئ آخر غير ظاهره . وهل هذا إلا مثل من يريد وهو بالمشرق إسماع شخص في المغرب ، فتقدم إلى المغرب بخطوات معدودة ، وأخذ يناديه وهو يعلم أنه لا يسمع نداءه ؛ فيكون نقله الإقدام عملا باطلا ، وسعيه نحو المغرب عبثا صرفا لا فائدة فيه . وكيف يستقر مثل هذا في قلب عاقل ؟ » اه .